الخليج الإماراتية: تركيا و النصرة وكرد سوريا . . "طورابورا" على الحدود

اجتمع مسؤولون أتراك مع ممثلي حزب الاتحاد الديمقراطي مرتين خلال الشهرين الماضيين، بحسب تصريح وزير الخارجيّة التركي أحمد داوود أوغلو لصحيفة “حريّت”، ذلك أنه من غير المعقول أن تتفاوض أنقرة مع الكردستاني، وزعيمه أوجلان، وترفض فتح قنوات حوار مع حزب (PYD) السوري الموالي للكردستاني، بحجّة أنه “انفصالي، وتابع للكردستاني”.
 
و بالتالي فإن حزب الاتحاد الديمقراطي قبل الحوار مع السلطات التركيّة، وتخلى عن اعتبار تركيا (العدو التاريخي والأبدي والأزلي . . .) للشعب الكردي، وكذلك تخلى عن اتهام كل من يحاول التحاور مع أنقرة من الكرد السوريين، بأنهم “خونة ومرتزقة أردوغانيين” . فالدبلوماسية تملي وتفرض تحويل الأعداء إلى أصدقاء أو أقلّه، تحييدهم، على قاعدة المصالح المشتركة . والسؤال هنا: ما هو تأثير الاشتباكات العسكريّة المحتدمة بين المقاتلين الكرد التابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي وجبهة النصرة والجماعات الاسلاميّة التكفيريّة والجهاديّة المتطرّفة، على مجمل الواقع الكردي في تركيا والعراق؟
 
حتّى قبل سنوات، كانت الحكومة التركيّة، ترفض إقرار الفيدراليّة في الدستور العراقي، وترفض الاعتراف بإقليم كردستان العراق الفيدرالي، وترفض الجلوس مع قيادة كرد العراق (بارزاني وطالباني) بحجّة أنهم “زعماء عشائر، وانفصاليون” . كل ذلك، ولم تبخل قيادة كردستان العراق، بتقديم الدعم لتركيا في حربها ضدّ العمال الكردستاني، منذ 1992 ولغاية اجتياج الجيش التركي لكردستان العراق في فبراير/ شباط 2008! (سقط أكثر من 3500 من قوّات البشمركة في المعارك، إلى جانب الجيش التركي، ضدّ مقالتي الكردستاني، باعتراف نيجيرفان بارزاني) . وفيما بعد، وعلى قاعدة المصالح الاقتصاديّة والسياسيّة وحتّى الامنيّة، اعترفت تركيا بالفيدراليّة والإقليم الكردي، وفتحت قنصليّة لها في عاصمة الإقليم أربيل، وبلغ حجم التبادل التجاري بين إقليم كردستان العراق وتركيا العام الماضي أكثر من 8 مليارات دولار . ما يزيد على حجم التبادل التجاري بين تركيا ودول مستقلة في المنطقة . ما يعني أنه حتّى لو ضمّ كرد العراق مدينة كركوك إلى إقليم كردستان، فهذا يصبّ في طاحونة المصالح التركيّة، ذلك أن أنبوب النفط العراقي الوحيد، الذي يمرّ عبر الأراضي التركيّة إلى البحر المتوسط، يبدأ من كركوك.
 
مقصد القول: حديث الأتراك عن مخاطر الفيدراليّة الكرديّة العراقيّة على الأمن القومي التركي، ثبت بطلانه . على العكس من ذلك، هذه الفيدراليّة، رفدت وانعشت الاقتصاد التركي، وأسهمت في إيجاد منفرج سلمي للقضيّة الكرديّة في تركيا، وطيّ صفحة العنف الدموي بين العمال الكردستاني والجيش التركي . وبات الإقليم الكردي يشكّل الحليف الاستراتيجي لتركيا في مواجهة التغلغل الإيراني في العراق . وعليه، صار الأتراك يستقبلون طالباني وبارزاني استقبال الزعماء والقادة الكبار، وصار بارزاني يتحدّث باللغة الكرديّة في مؤتمر حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، من دون حرج، وبل لقي حضوره وكلمته الكرديّة ترحيباً وتصفيقاً حادّاً في قاعة المؤتمر.
 
نفس الأمر، يمكن حدوثه مع كرد سوريا وقادتهم، إن حاولت تركيا كسبهم . وحسب مسؤولين أتراك سيكون لأنقرة حصّة الأسد في نفط وغاز المناطق الكرديّة السوريّة (الرميلان)، بخاصّة، في حال ذهبت سوريا إلى التقسيم والتفكك، بقرار دولي، أو تحت تأثير اشتداد الحرب الأهليّة . زد على ذلك، أن وجود كيان كردي (حكم ذاتي، فيدرالي) على الحدود الجنوبيّة لتركيا مع سوريا، بطول 800 كيلومتر، أفضل بكثير، آلاف المرّات، من وجود إمارات إسلاميّة، قاعديّة، جهاديّة متطرّفة في تلك المناطق . وبالتالي، هزيمة المقاتلين الكرد على يد جبهة النصرة وأخواتها لا تخدم المصلحة التركيّة والأمن القومي التركي مطلقاً، ذلك أنه يمكن التفاهم مع كرد سوريا، ويمكن عقد اتفاقات معهم، لكون تركيا تمتلك علاقات جيّدة مع قيادة كردستان العراق وهي في طريقها لإيجاد تفاهم نهائي مع قيادة الكردستاني . بينما لا يمكن لأنقرة، البتّة، الوصول إلى تفاهم واتفاق نهائي مع جبهة النصرة، لأن مرجعيتها الأيديولوجيّة العقائديّة “القاعدة وأيمن الظواهري” لا سلطان لتركيا عليهما.
 
مع العراق
صحيح أن إقليم كردستان العراق، يتمتّع بوضع خاصّ، قوامه الاستقرار الأمني والانتعاش والنمو الاقتصادي، إلاّ أنه ثمّة مخاطر وتحدّيات عديدة تحدق بهذه التجربة . ومن أبرز هذه المخاطر، الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة، الناشطة في سوريا، كجبهة النصرة، ودولة العراق والشام الإسلاميّة التابعة للقاعدة . وذكرت تقارير إعلاميّة كثيرة، أن مقاتلين كرد عراقيين، انضموا إلى جبهة النصرة والمجموعات التكفيريّة الإسلاميّة في سوريا . وإذا انتصرت هذه المجموعات على المقاتلين الكرد السوريين، واستولت على المناطق الكرديّة السوريّة، فلا يمكن حصر الخطر السلفي الجهادي القاعدي بأنه صار على حدود كردستان العراق وحسب، وأن “طورابورا” سوريا صارت على حدود كردستان، بل إن المقاتلين الكرد العراقيين المتطرّفين، سيعودون إلى مناطقهم وبيوتهم في كردستان العراق، وسيحاولون تطبيق تجاربهم السوريّة في كردستان . زد على ذلك أنه بسيطرة المجموعات التكفيريّة المسلّحة على المناطق الكرديّة السوريّة، سيشكلون مع مناطق الموصل والأنبار تحالفاً أو حزاماً طائفيّاً وقوميّاً ضدّ كردستان العراق . وبالتالي، مسعود بارزاني، ومهما اختلف سياسيّاً وأيديولوجيّاً مع حزب الاتحاد الديمقراطي السوري، إلاّ أنه لن يترك مقاتلي هذا الحزب، يخوضون المعارك مع جبهة النصرة والمجموعات التكفيريّة، بظهرٍ مكشوف . وعليه، ليس مستبعداً أن تكون قيادة كردستان العراق، هي الوسيط بين حزب الاتحاد الديمقراطي والأتراك، مثلما لعبت هذا الدور بين الكردستاني وأنقرة.
 
قراءات سابقة
رغم نفي وزير الخارجيّة التركي داوود أوغلو الاتهامات بدعم أنقرة لجبهة النصرة والكتائب الإسلاميّة التكفيريّة في سوريا، إلاّ أن واقع الحال، يقول عكس ذلك تماماً . ولولا الدعم اللوجستي والاستخباري التركي لما استمرّت جبهة النصرة والمعارضة السوريّة المسلّحة . ومسألة دعم تنظيمات إسلاميّة متطرّفة ضدّ الكردستاني، مطلع التسعينات، سبق وأن جرّبها الأتراك، وفشلوا في تصفية الكردستاني، وباتت تلك التنظيمات “حزب الله” التركي، هي التي تشكل الخطر البالغ على الأمن القومي التركي، أكثر من الكردستاني نفسه . ذلك أن الكثير من التقارير الإعلاميّة تشير إلى التواجد الكثيف لعناصر جبهة النصرة على الأراضي التركيّة . وأن تسرّبها إلى الأراضي السوريّة يتمّ عبر دعم وتغطية أمنيّة تركيّة . وما جرى ويجري الآن من صراع وقتال بين جبهة النصرة وكتائب إسلاميّة متطرّفة في مدينة سريه كانيه (رأس العين) الكرديّة، شمال شرقي سوريا، ومدينة “تل أبيض” من جهة، ومقاتلين أكراد، محسوبين أو موالين للعمال الكردستاني، من جهة أخرى، هو في أحد أبرز أوجهه تتمّة للصراع بين الكردستاني وتركيا، ولكن ليس على الأراضي التركيّة . ودور جبهة النصرة، وبعض الكتائب الإسلاميّة، في هذه الفترة بالذات، لا ولن يختلف كثيراً عن الدور الذي لعبه حزب الله التركي في حقبة التسعينات، وكيف أنه كان أداة تركيّة محضة، بانتهاء وظيفتها، تمّت تصفيتها!
 
ثمة رأي آخر مفاده أن تركيا وبالتفاهم مع الغرب وأمريكا، تتعامل مع الثورة السوريّة، كمحرقة للمتطرّفين الإسلاميين، بحيث تزجّ بهم في الجبهة الأماميّة في الصراع مع الأسد من جهة، ومع الكردستاني من جهة أخرى، لتكون أنقرة المستفيد الوحيد، كونها تتخلّص من ثلاثة خصوم دفعة واحدة: نظام الأسد، والكردستاني، والمتطرّفين الإسلاميين . تماماً كما فعل الأمريكيون حين زجوا ودعموا الجماعات الجهاديّة المتطرّفة في أفغانستان ضد الحكم الشيوعي السوفييتي السابق و إذا صحّ هذا الافتراض، تكون أنقرة، لعبت لعبة جد خطرة، في حال أفلت عقال جبهة النصرة وأخواتها من أيدي الأتراك، وباتوا حكام سوريا الجدد، ربما ينقلب “السحر على الساحر”! . ذلك أن أفغنة بلد جار لتركيا، يشترك معها ب 800 كيلومتر من الحدود، ليس بالأمر المطمئن والمريح لأنقرة . وفي حال سقط نظام الأسد، وهُزِمتِ القوى العلمانيّة، الكرديّة والعربيّة في سوريا، فإن الطريق الذي يؤدي بجبهة النصرة وأخواتها للسلطة وحكم سوريا، تكون قد عبّدته تركيا والغرب وأمريكا.
 
خلاصة القول إن الدعم التركي لجبهة النصرة، ضدّ الكرد السوريين، ليس كمن “استجار من الرمضاء بالنار”، بل من يحفر قبره بيديه . فإذا كانت تركيا تريد استخدام جبهة النصرة وأخواتها للتخلص من نفوذ الكردستاني في سوريا، فإنها ربما تفتح على نفسها “باب جهنم” أو تطلق على نفسها النار . وهذا يندرج في إطار الافتراض والتحوط لكل الاحتمالات، مع الأخذ في الحسبان أن تركيا، وبكل جبروتها وأدواتها ومؤسساتها وهيبتها وتراثها الإمبراطوري، ودعم الأطلسي والدول الإقليمية لها، فشلت في الحسم العسكري لمصلحتها في صراعها مع الكردستاني، فكيف لجبهة النصرة وأخواتها إن تحقق ذلك؟
مشاركة
هل اعجبك هذا الموضوع ؟

رجاء تجنب استعمال التعليقات لبث روابط إعلانية. كذلك ننبه إلى ضرورة الالتزام بصلب الموضوع و عدم الخروج عليه وشكرا

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة SaTaLaItE ©2010-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| اتفاقية الاستخدام | إتصل بنا

كما شوهد على