جنيف 2, مفاوضات بين القوى العالمية, لاخير فيه لجماهير سورية!



 سامان كريم : 
مفاوضات جنيف 2 وبطبيعة الحال جنيف 1, ظاهرياً تجري بين وفد "الائتلاف السوري المعارض" ووفد الحكومة السورية, انها قشرة القضية وليست لبها. حيث سورية اصبحت نقطة ارتكاز القوى العالمية لتحديد الخارطة الجديدة لعالم مابعد القيادة الامريكية الاوحد. الصراع الدموي الشرس بين روسيا وامريكا وحلفائهما على الصعيد العالمي هو موضوع اصلي للنقاش في جنيف 2.. اجتماعات جنيف او عملية جنيف هي عملية او حلقة ترتبط بحلقات وعمليات كبيرة وصغيرة اخرى... متداخلة بين قضايا كبرى عديدة منها قضية جنيف النووي مع إيران وقضية مصر والصراع الدائر بين الجيش والاخوان, وقضية الصراع بين المؤيدين لانضمام اوكرانيا للاتحاد الاوروبي وبين المعارضين له وقضية الامن والطاقة في الخليج... هي كلها قضايا كبيرة بين القوتين القوة الامريكية الايلة الى الإنحدار والقوة الروسية الصاعدة، التي إستعادت عافيتها وأجتازت مرحلة النقاهة بعد أن دمرتها امريكا وفق سياسة "الصدمة". الصراع هو صراع بين دولتين رأسمالتين رجعيتين ليست أمامها إلا الاستخواذ والنفوذ والسلطة العالميين، وخصوصا نحن نمر بمرحلة انتقالية خطيرة لتحديد ملامح النظام العالمي الجديد، بعد ان سقط نظام الحرب الباردة والنظام العالمي الجديد لامريكا الذي لم يكتب له النجاح. 

النموذجين الروسي والامريكي للرأسمالية جربتا تاريخيا. ولو ان النموذجين تغيرا اذا ما قارناهما بالمرحلة الحالية وخصوصا النموذج الروسي، حيث تغيرت من راسمالية الدولة ابان الحقبة السوفيتية الى راسمالية السوق حالها حال الشكل الراسمالي المحبب لدى أمريكا والغرب عموما, ولكن مفعم بروح قومية منضبطة وكاثولكية روسية بغطاء جديد. الفرق بين النموذجين او الشكلين من ادارة الراسمال, فرق شكلي. حيث هناك في الجانب الامريكي والغربي, الحريات السياسية والفردية والمدنية الشكلية التي يسمونها بــ "الديمقراطية" مدعمة بالقوانين والدساتير الموجودة في تلك البلدان ولكن كما رأينا في احد الكاريكاتيرات الممتازة حول الديمقراطية "بالديمقراطية محد يسمع رأيك لو تموت"، مقارنة بالحرية المطلقة تقريبا للسوق او للراسماليين. بمعنى أخر هناك حرية ومساواة قانونية تامة, ولكن شكلية مطلقة وخالية من المحتوى. يقول ماركس في راس المال "الحرية! ذلك لان شاري وبائع البضاعة, قوة العمل مثلا, لا يخضعان سوى لما تأمره إردتهما الحرة. وهما يتعاقدان بوصفهما شخصين حرين ومتكافئين, حقوقياً. والعقد إنما هو تلك النتيجة النهائية التي تجد فيها إرادتهما تعبيراً حقوقياً عاماً. المساواة! ذلك لأنهما لا يتواجهان بعضهما البعض, إلا كمالكي بضاعة. ويبادلان المعادل بالمعادل...." (ماركس/ رأس المال- المجلد الاول - دار التقدم)... ان العامل حر في الإختيار بين موته اي قتل الذات بتجويع النفس, وبين العمل او إيجاد فرصة العمل إن توجد هذه الفرصة. هذه هي الحرية في ظل الراسمالية ونرى ذلك في النموذج الامريكي والغربي بصورة دقيقة. 

النموذج الروسي او الصيني اكثر رجعية حيث الحريات النقابية ممنوعة, والحريات السياسية مقيدة والحد الادنى من الاجور قليل جداً، أي تنطبق عليهما ميزة "العامل الرخيص" ولو أن "العمالة الرخيصة" هي جنة الراسمالية الامريكية والغربية عموماً وعلى ضوئها تصدر شركاتهم العملاقة الى الصين وبنغلاديش.... لقلة الاجور في تلك البلدان وتنطبق عليهما اي على روسيا والصين القوانين ذاتها اعلاه, ولكن بميزة واحدة وهي ان الدولة هنا وفي النموذجين" الروسي والصيني" باقية على عدد من القطاعات اي بامكان الدولة أن تدير الراسمال في قطاعات الطاقة مثلا أو التعليم او السيطرة على البنوك الى حد ضئيل.... وهناك دعم "حكومي" لعدد قليل من المواد الضرورية للمعيشة. 

أما بخصوص الاستراتيجيات والسياسات على الصعيد العالمي، ان روسيا وامريكا لديهما سياستان مختلفتان لتحقيق استراتيجيتهما... تمر استراتيجية امريكا في هذه المرحلة الانتقالية ولحد الان عبر تشكيل وبناء الجماعات والحركات الارهابية, اي ان الارهاب هو لب الاستراتيجية الامريكية في هذه المرحلة ولكن الارهاب وسيلتها اي سلاحها لتحقيق استراتيجيتها، اي تقسيم خارطة المنطقة مجدداً والغاء أتفاقية سايكس بيكو. حيث ان سايكس بيكو بنيت على اساس بناء الدول القومية في المنطقة, والمراد من الاستراتيجية الامريكية هي بناء الدول وفق الكانتوتات الطائفية وعلى اساس السياسة الطائفية بين المذهبين الشيعي والسني وهذه هي خطورة الاستراتيجية الامريكية... اما روسيا تمر استراتيجيتها على عدم التدخل المباشر والابقاء على الحركات الاتحادية، اي تلك الحركات الاجتماعية البرجوازية التي تدعى توحيد المجتمع تحت قبة "الوطن" كالحركات القومية، وهي تساند السيسي وتساند الاسد وتساند بوتفليقة... وكما أكدت في مقالاتي وحواراتي السابقة ان الارهاب خرج من صلب الاستراتيجية الامريكية كسياسة محورية ولكن في هذه المرحلة ليس بيدها وسيلة اخرى, الاستسلام او الارهاب, لان مشكلة امريكا ليست فقط مشكلة اقتصادية او سياسية بل هي افلاس ايديولوجي ايضا. 

أمريكا وروسيا اليوم تتصارعان في عدة جبهات قتالية ولكن بالوكالة, اي عبر البلدان والقوى المحلية في البؤر الساخنة.. في سوريا هناك جماعات ارهابية اسلامية تشكل وترسل الى جبهات القتال وفق استراتيجية امريكية.. بتمويل سعودي ومساعدة مخابراتية وتدربية امريكية وتزويدهم بالسلاح مثل جماعات الكونترا او جماعات الكونترا الارهابية التي كانت موديلا للمخابرات الامريكية لاسقاط الحكومات في امريكا الللاتينية.. هذا ناهيك عن بلدان تركيا وقطر والاردن... اما روسيا تدعم النظام القومي في سوريا بصورة مباشرة وعلنية وتحارب امريكا بهذا النظام اي تحارب نفوذها ومكانتها العالمية وهناك ايضا إيران والعراق وحزب اللـه في صفها... امريكا تدير الصراع في مصر لحد الان عبر الاخوان وروسيا اقتنصت الفرصة لأخذ الجيش، اي أخذت الحركة القومية العربية في مصر وتمكنت من إستعادة نسبة من نفوذها القديم في مصر، وخصوصا أن هناك دعوات "شعبية" قوية لهذا الامر. والهدف كما ذكرنا أعلاه: هو الإستحواذ على مناطق النفوذ والثروة, وفي التحليل النهائي لرسم معالم النظام العالمي الجديد على انقاض الامبراطورية الامريكية التي لا تغيب عنها الشمس بصورة فعلية...

أمريكا تهدف في صراعها الى بقائها كأقوى بلد بين الاقوياء لانها تعلم جيداً أن هناك بلدان صاعدة ليست بامكانها أزاحتهم.. عليه هي تعترف بقوة تلك البلدان وفق الدبلوماسية "التشاركية" اوالمشاركاتية, وهذا يعني من الناحية الواقعية "انتم اقوياء ولكن امريكا اقوى منكم" بهذه العملية تهدف الى وقف انحدارها الكامل نحو الهاوية مثل الامبراطوريات السابقة. بالمقابل هناك روسيا وحديتها تجاه سياسات امريكا لا ترضى إلا "الند بالند" وهذه هو لب صراعها مع أمريكا في هذه المرحلة. ان "الشرعية الدولية" و"القوانين الدولية"... كل هذه المفاهيم القديمة تعج بها خطابات بوتين ولافروف. ويعني هذا فيتو روسي مقابل فيتو أمريكي.... اي رفض شن الحروب الاستباقية وخارج اطر الامم المتحدة ومجلس الامن وفرض العنتريات مثل الحصار الاقتصادي والعقوبات الاخرى من جانب واحد.... 

على طاولة جنيف 2 نقشت بصورة رئيسية تلك المسائل الحساسة ولكن تحت عنوان "بنود جنيف الثمانية" وهي هل ننقاش الفقرة الاولى في البداية اي فقرة "محاربة الارهاب" ام نناقش البند الاخير اي "تشكيل الهيئة الانتقالية بكامل الصلاحيات".... وهذه العناوين هي فعلا لغة اورويلية "نسبة الى الكاتب البريطاني جورج أورويل"... بمعنى أخر هي لغة النفاق والخداع. المراد من بند الارهاب يعني سقوط السياسة الامريكية وحلفائها في المنطقة, والمراد من البند الاخير يعني سقوط سياسة روسيا وحلفائها في المنطقة... اي بند يتقدم على الاخر يعني نجاح هذه السياسة وفشل الاخرى. اما البحث بالتوازي كما طرحه السيد الأخضر الإبراهيمي, يعني التوافق بين روسيا وأمريكا... على ارض الواقع وفي الصراع الدائر في سورية ليس هناك مجال للتوافق, لان الخبطة التي شكلت من قبل امريكا واعوانها غير قابل للسيطرة والإنضباط, عليه وبغض النظر عن صعوبة التوافق بين البندين أو السياستين المختلفتين, غير قابلة للتطبيق الفعلي... هذا ناهيك عن عدم التوافق الروسي على هذا الأمر. لأن هذا يعني إعطاء شئ او حصة من الكعكة السورية الى أمريكا.. وروسيا لا تهدف الى قطع هذه الكعكة خصوصا ان سورية هي البلد الوحيد في العالم العربي الذي تتمتع فيه روسيا بسيطرة ونفوذ كاملين. 

المحورين أي روسيا وامريكا كلاهما ليسا محور محب للسلام والحرية والتحرر, كلاهما رجعيان ويهدفان الى بسط السيطرة والنفوذ على حساب البلدان والجماهير الغفيرة على سطح كوكبنا. الرأسمالية تعني الحروب ايضا... وحروب اليوم اي الحروب في مرحلتنا هي بحد ذاتها فيها ارباح وفيها بزنس السلاح وصفقات صناعة الامن اي تكنولوجيا السيطرة على الامن والشارع وتحديد امكان المجرمين والمعارضين والارهابين و.... والحال ان الراسمالية تمر باخطر مراحلها التاريخية من حيث عمق ازمتها الاقتصادية ومن حيث بعدها عن الاقتصاد الحقيقي او الراسمال الحقيقي, من حيث ابعادها الاقتصادية اي بعدها عن الاستثمار في قطاعات انتاجية وزراعية وخدمية وتجارية, وهذا يعني ان البطالة ستزداد بإطراد وبصورة مستمرة.. بل توجهت رسملتها بنسبة كبيرة نحو سوق البورصات والمتاجرة بالمضاربات المالية وشراء السندات السيادية وغير السيادية والوهمية وشراء الديون الخيالية وتأمينها والمضاربات الخطرة، في حقيقة الامر تعني التداول بالفقاعات!! وحين تضربها الشمس على حد قول ماركس تنفجر كما أنفجرت فقاعات قطاعات البناء في امريكا. 

على جماهير سورية وكل محبي السلام ومعارضي الحروب وكل التحرريين والتقدميين, وخصوصا الشيوعين الذين يؤمنون بالغاء العمل المأجور,,, فصل صفهم النضالي عن المحورين اعلاه عن امريكا والسعودية وبريطانيا وتركيا وفرنسا وقطر والائتلاف السوري وكل الجماعات الارهابية من النصرة الى داعش والجبهة الاسلامية والتوحيد ولواء الشام... من جانب وعن روسيا والحكومة السورية او الحركة القومية العربية وحزب اللـه وايران ومن على شاكلتهم، بمعنى اخر الفصل الفكري والمنهجي عن القومية العربية كحركة سياسة اجتماعية على صعيد العالم العربي، وعن الاسلام السياسي بكافة تشعباته الرجعية من الاخوانجية الى السلفجية، واخير فصل النضال عن السياسة الطائفية تلك السياسية الرجعية التي هي في لب الاستراتيجية الامريكية لرسم خارطة جديدة لمنطقة الشرق الاوسط والعالم العربي.... او كما يدعي احد كتاب جريدة التايمر الماجورة والرجعية يجب تغير مفهوم الشرق الاوسط الى مفهوم شرق البحر الابيض المتوسط... ووفق تصوره يجب تقسيم سورية الى ثلاث كيانات طائفية وقومية "علوية وسنية وكردية" على غرار العراق.... والتجربة المرة للجماهير والطبقة العاملة سواء كان في سورية او في مصر او البلدان الاخرى خلال السنوات الثلاث المنصرمة على الاقل تدل بما لا يقبل الشك..... إن التقدم والتحرر وكسر الاغلال في اعناق الملايين في العالم العربي وسورية بالتحديد لا يمر عبر تلك القوى, بل يمر عبر طريق مختلف تماما... طريق وعرة مثل كل الطرق النضالية ولكن يبدأ بتنظيم الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والفئة الشبابية المتعطشة للحريات الفردية والمدنية.. التنظيم في سبيل الثورة الاجتماعية وبقيادة الطبقة العاملة... وهذا يبدأ بشن نضال فكري ومؤثر على الاسلام السياسية والحركة القومية العربية.... ويبدا بتنظيم القادة العمالية والمثقفين الماركسين الذين يؤمنون بالثورة العمالية وبناء نظام اشتراكي مبني على إلغاء العمل المأجور... فبدون هذا الطريق ستتحول الحركات والاحتجاجات الجماهيرية والثورات الى أشياء تعاكسها. الثورة تشيئت في سورية وليبيا واجهضت في مصر والى حد كبير في تونس.... لان القوى الثورية اذا ليست لديها تنظيمها وقائدها الخاص بها ليست بامكانها ان تقود الثورة وليست بامكانها ان تبقى بالساحة ولا بالمصانع ولا في الشارع, بل تجبرهم الى الخنوع والركوع مثل ما حصل في مصر. لا جنيف ولا لحروب المحورين ولا للارهابين.
المصدر : الحوار المتمدن 

مشاركة
هل اعجبك هذا الموضوع ؟

رجاء تجنب استعمال التعليقات لبث روابط إعلانية. كذلك ننبه إلى ضرورة الالتزام بصلب الموضوع و عدم الخروج عليه وشكرا

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة SaTaLaItE ©2010-2013 | ، نقل بدون تصريح ممنوع . Privacy-Policy| اتفاقية الاستخدام | إتصل بنا

كما شوهد على